من جيد إلى عظيم | خبير الإدارة جيم كولينز Jim Collins
استنساخ الحمض النووي للشركات المتميزة
إذا قلنا إنَّ القُرَّاء المُطَّلعين على أدبيات الأعمال لا يوجد بينهم مَن لا يعرف كولينز أو لم يسمع بكتاب «من جيد إلى عظيم»، فقد يبدو في ذلك شيءٌ من المبالغة.
غير أنَّ ما جاء في «دليل الإيكونوميست للأفكار الإدارية والمعلِّمين الكبار» كفيلٌ بتبديد هذا الظنّ: «لقد أصبح كتابا “البناء من أجل الاستمرار” و”من جيد إلى عظيم” بمثابة “هاري بوتر” في عالم كتب الأعمال؛ حقَّقا مبيعاتٍ عالميةً هائلة، ويمتلكان سحرًا مذهلًا».
ووفقًا للأرقام التي استشهد بها مُقدِّم البرامج الحوارية الأمريكي الشهير تشارلي روز خلال مقابلته مع كولينز عام ٢٠٠٩، تجاوزت المبيعات العالمية التراكمية لكتابَي «البناء من أجل الاستمرار» و«من جيد إلى عظيم» سبعةَ ملايين نسخة.
وفي وقتٍ مبكِّر من عام ٢٠٠٤، حين تخطَّت مبيعات الطبعة المُجلَّدة من «من جيد إلى عظيم» حاجز المليون ونصف المليون نسخة في الولايات المتحدة وحدها، أشارت مجلة «الإيكونوميست» إلى أنَّ الكتاب حطَّم الرقم القياسي الذي حقَّقه كتاب «البحث عن التميُّز»، ليُصبح أكثر كتب الأعمال مبيعًا على الإطلاق، ما جعل كولينز يستحقُّ لقب «أكثر مؤلِّفي الأعمال قراءةً في العالم».
إذا كنتَ تسمع كثيرًا في شركتك عباراتٍ من قبيل «اعثُر على الأشخاص المناسبين» أو «الانضباط»، فعلى الأرجح أنَّ ذلك من أثر كولينز.
ففي عام ٢٠٠٩، حين واجه أكيو تويودا — رئيس شركة تويوتا — أشدَّ أزمة استدعاءٍ في تاريخ الشركة منذ تأسيسها، صرَّح بأنَّه بعد قراءته لكتاب كولينز «كيف يسقط العظماء»، خَلَصَ إلى أنَّ تويوتا تقف عند المرحلة الرابعة من «مراحل انحدار المؤسسات الخمس»، وهي مرحلة التخبُّط في البحث عن حلولٍ يائسة.
لم يُصدِم هذا التصريح قطاعَ السيارات فحسب، بل أبرزَ للعالم أجمع مدى عُمق تأثير كولينز.
وخارج نطاق مجالس الإدارات ومكاتب المديرين التنفيذيين، ينتشر قُرَّاء كولينز في شتَّى المجالات: التعليم، والفنون، والمؤسسات الدينية، والرعاية الصحية، والمنظمات غير الربحية، بل وحتى الحكومات المحلية والفيدرالية.
يقول كولينز: «عادةً ما أُصنَّف بوصفي كاتبًا في مجال الأعمال والإدارة، لكنَّ أكثر من ثُلُث قُرَّائي يأتون من القطاع غير الربحي.»
السؤال هو نقطة البداية
لفهم سرِّ الانتشار الواسع والاستمرار الطويل لمؤلَّفات كولينز — فحتى اليوم، رغم ظهور آلاف كتب الأعمال واختفائها، لا يزال «من جيد إلى عظيم» يحتلُّ مكانةً ضمن أفضل مئة كتابٍ مبيعًا على أمازون — لا بدَّ أن نبدأ بالمحتوى الذي قدَّمه فعلًا.
بالنسبة لكولينز، يُعَدُّ الوعي بالسؤال أمرًا جوهريًّا قبل الشروع في أيِّ بحثٍ أو كتابة.
يقول: «السؤال هو نقطة البداية لكلِّ شيء. في كثيرٍ من الأحيان، لستُ أنا مَن يختار السؤال، بل السؤال هو الذي يعثر عليَّ. تلك الأسئلة تظهر فجأةً، تُمسِك بتلابيبي، ولا تُفلتني. الحياة رحلةُ استكشافٍ لا تنقطع، وفيها الكثير مما يُمكن تعلُّمه».
السؤال الأول:
في كتاب «البناء من أجل الاستمرار»، كان السؤال الذي لم يمنح كولينز سكينةً حتى استقصاه:
«لماذا تنجح بعض الشركات في الحفاظ على أداءٍ متميِّز عبر أجيالٍ متعاقبة من القيادات ولعقودٍ من الزمن؟»
السؤال الثاني:
بعد عامَيْن من صدور «البناء من أجل الاستمرار»، قال أحد مستشاري ماكنزي لكولينز: «كتابكم ممتاز، لكنَّه عديم الفائدة عمليًّا؛ لأنَّ معظم الشركات التي حلَّلتموها وُلِدت بميزةٍ تنافسية، إذ أرسَت سماتِ التميُّز منذ نشأتها.
لكنَّ الغالبية العظمى من الشركات لا تكتشف إلا في منتصف الطريق أنَّها مجرد شركاتٍ جيدة وليست عظيمة. فماذا تفعل؟»
أشعلَ هذا الحوار فتيلَ رحلةٍ بحثية جديدة لكولينز:
«هل تستطيع شركةٌ جيدة أن تتحوَّل إلى شركةٍ عظيمة؟ وإنْ كان ذلك ممكنًا، فكيف؟»
جاءت الإجابة في كتاب «من جيد إلى عظيم».
السؤال الثالث:
مع استقطاب «من جيد إلى عظيم» لأعدادٍ هائلة من قُرَّاء القطاع الاجتماعي، مضى كولينز يتساءل:
«هل يمكن تطبيق المفاهيم الإدارية المُستخلَصة من دراسة الشركات على مجالاتٍ لا يُقاس فيها النجاح بمعاييرَ اقتصادية وتقع خارج نطاق عالم الأعمال؟»
فكانت الثمرة كتابَ «من جيد إلى عظيم والقطاع الاجتماعي».
السؤال الرابع:
إذا سبق لك أن أُعجِبتَ بالشركات المتميزة التي تناولها كولينز، ثمَّ شهدتَ بعض تلك الشركات «العظيمة» وهي تتراجع أو حتى تُشهِر إفلاسها، فلا شكَّ أنَّك تساءلتَ: هل المبادئ المطروحة في الكتاب لا تزال صالحة؟
يُجيب كولينز بهذا القياس: «لو قارنَّا بين أشخاصٍ أصحَّاء وآخرين غير أصحَّاء، واستخلصنا مبادئَ تعزيز الصحة — كالنوم الجيد، والتغذية المتوازنة، والتمارين المعتدلة — ثمَّ بدأ بعض الأشخاص الذين كانوا أصحَّاء يُهمِلون نومهم وتغذيتهم ورياضتهم، فهل يُبطِل ذلك تلك المبادئ؟»
وقد تتساءل أيضًا: إذا كانت الشركات العظيمة قادرةً على التحوُّل من مستوى الجودة إلى مستوى العظمة، أفلا تستطيع أن تمنع نفسها من الانحدار؟
هذا السؤال شَغَلَ كولينز هو الآخر. في كتاب «كيف يسقط العظماء»، بحثَ في:
«حين تبقى على القمة طويلًا، كيف تكتشف علامات الانحدار مُبكِّرًا فتتراجع في الوقت المناسب؟ وإنْ كنتَ قد وقعتَ بالفعل في قبضة التراجع، فكيف تُنقِذ الموقف؟»
السؤال الخامس:
في ظلِّ التقلُّبات الحادَّة في المشهد السياسي والاقتصادي العالمي، باتَ الشيء الوحيد المؤكَّد أنَّ المستقبل لن يزداد إلا غموضًا.
في أحدث مؤلَّفاته «اختيار العظمة»، يحاول كولينز الإجابة عن هذا السؤال تحديدًا:
«في مواجهة بيئةٍ يصعُب التنبُّؤ بها، دائمة التغيُّر، بل فوضويةٍ أحيانًا — كيف يمكن للشركات أن تظلَّ عظيمة؟»
لا تتبنَّ الأفكار على عواهنها؛ دَعِ الأدلَّةَ تتحدَّث
أشارت مجلة «الإيكونوميست» إلى أنَّه بالنظر إلى محافظة كولينز على مكانته الريادية في مجاله قرابةَ عشرين عامًا، فإنَّ سؤاله المحوري — «كيف تحافظ الشركات على التميُّز على المدى البعيد؟» — جديرٌ بأن يُطبَّق عليه شخصيًّا.
أوَّلًا: الأفكار التي يطرحها كولينز ليست خواطرَ ارتجاليةً أو إلهاماتٍ عابرة، بل هي حصيلة أبحاثٍ مكثَّفة ونقاشاتٍ معمَّقة أجراها فريقُه البحثي. أبحاثه تستغرق أحيانًا خمس سنواتٍ أو ستًّا أو حتى تسعًا، يُمحِّص فيها آلافَ الوثائق التاريخية والتقارير والمؤلَّفات الممتدَّة لعقود. وفي نهاية كلِّ كتابٍ من كتبه، تجد ملاحقَ مُتعدِّدةً تشرح منهجيته البحثية بوضوح (انظر: «منهجية بحث كولينز»).
ثانيًا: تلك المبادئ المُستخلَصة بعنايةٍ فائقة ليست قواعدَ هشَّة، بل تتمتَّع بقدرةٍ كبيرة على بثِّ الطمأنينة. فمعظم القُرَّاء ليسوا عباقرةَ ذوي رؤيةٍ استشرافية، لكنَّ كولينز أقنعهم بأنَّ الشركات العظيمة تُبنى في الغالب عبر التجربة والخطأ، لا عبر التخطيط الاستراتيجي البارع؛ وبأنَّ الانضباط الكافي يُمكِّن أيَّ شخصٍ من تحويل مؤسسته؛ وبأنَّ هيمنة إنتل على سوق الرقائق لم تكن بفضل إبداعٍ خارق، بل بمجرَّد الالتزام بالتسليم في الموعد. بعبارةٍ أخرى: يستطيع أيُّ شخصٍ أن ينجح، ما دام ملتزمًا بمجموعةٍ صارمة — لكنَّها ليست مستحيلة — من القواعد.
يستحضر كولينز عبارةً قالها أحد أساتذته في مرحلة الدراسات العليا ولا تزال راسخةً في ذهنه: «أفضل الطلاب هم أولئك الذين لا يُصدِّقون أساتذتهم تصديقًا مُطلقًا.»
لذا، قد تكون لديك تحفُّظاتٌ على منهجية كولينز البحثية، وقد تتساءل عمَّا إذا كانت نتائجه قابلةً للتعميم على جميع الشركات، لكن خُذْ عنه نصيحةً واحدة على الأقلّ: «جميع الأفكار المطروحة في موقعي ومؤلَّفاتي مُقدَّمةٌ لتتأمَّلها بعُمق، لا لتتبنَّاها على عواهنها. أنتَ القاضي وهيئة المُحلَّفين. دَعِ الأدلَّةَ تتحدَّث.»
منهجية بحث كولينز
١. المنهج المقارَن: اختيارٌ دقيق لمجموعةٍ بحثية موثوقة تشمل «مجموعة دراسة» و«مجموعة ضابطة» للمقارنة المباشرة، تليه دراسةُ الفوارق بين المجموعتَيْن عبر فترةٍ زمنية ممتدَّة. يوضِّح كولينز أنَّ الغرض من المقارنة هو تحديد «العوامل الجوهرية التي تُفسِّر بصورةٍ فعَّالة ومتَّسقة الفارقَ بين الشركات المتميزة وغير المتميزة». فعلى سبيل المثال، لو اقتصرت الدراسة على الفائزين بالميداليات الذهبية الأولمبية، لوجدنا أنَّ لكلٍّ منهم مُدرِّبًا؛ لكنَّ عامل «المُدرِّب» وحده لا يكفي لتفسير التفوُّق، لأنَّ الرياضيين الذين لم يفوزوا بميدالياتٍ لديهم مُدرِّبون أيضًا.
٢. المنهج التاريخي: جمعُ بياناتٍ تاريخية شاملة عن موضوعات البحث، أي بناء الإطار البحثي استنادًا إلى الأدلَّة المتاحة لحظةَ وقوع الأحداث، تجنُّبًا لتحيُّز الإدراك المتأخِّر. فعلى سبيل المثال، لو نظرنا اليوم إلى شركة ساوث ويست إيرلاينز، فقد نَعزو نجاحها إلى نموذج أعمالها الفريد؛ غير أنَّ السجلَّات التاريخية تكشف أنَّ هذا النموذج مُستنسَخٌ إلى حدٍّ بعيد من شركة باسيفيك ساوث ويست إيرلاينز في أواخر ستينيات القرن العشرين. ولذلك، قد لا يصلُح هذا النموذج تفسيرًا لتميُّز ساوث ويست، إذ إنَّ باسيفيك ساوث ويست نفسها لم تعُد قائمة.
المقال التالي:
طالبٌ ومعلِّمٌ في الحمض النووي للشركات المتميزة
الانضباط الحقيقي يكمن في قول «لا» للفُرَص الخاطئة